|
الحرية و الديمقراطية و الملوخية
حين تضرب جملة "الحرية لا تعطى ولكن تؤخذ" طبلة أذني
أو حين تتسلل أم كلثوم بصوتها إلى مسامعي
قائلةً "أعطني حريتي أطلق يدي"
كنتُ أستغرب وأسأل نفسي أيُّ الجملتين أصح؟
ولم يتسنى لي التفكير في إجابة هذا السؤال إلا مؤخراً
وجدتُ نفسي أركب بساط حريةٍ زائفة
ليمر بي على قومٍ مكبلين تحت ديموقراطية مُلفقة
فأتوه في باطن جوف الأرض مطحوناً ضائعاً
بداخل إناء فاخر يُقَدم لزبون على أنه طبق "ملوخية"
مصطلحات منها القديم ومنها الحديث ومنها الخبيث!
فتلكَ الحرية تطير أمامي كعصفور مذبوح
رماه صياد ببندقيته ، وبعد أن أصابه
لم ينتظره حتى يسقط ... ورحل!
وتلك هي الدكتاتورية تجلسُ أمامي واضعة قدماً تحتَ الأخرى
تنظر إليّ باشمئزاز وتقول لي:
"اغرب عن وجهي يا هذا ، ثكلتك أمك!"
وها هي الديموقراطية ترقص مترنحةً على أطلال كوكب الشرق أم كلثوم
ترتدي بدلة رقص شرقية ... في كباريه لا يقدم فيه إلا "الملوخية"
وها هو أخي الصغير يُعَرف لي اصطلاحاً كل تلكَ المعاني "المستخبية"
فأين هي تلكَ الحرية أيها البالغ "أنا"
وهل رأيتَ في حياتك دكتاتورية "هنا"
وأنتَ تقف عند صندوق اقتراع "الهنا"
وحتى أجد إجابةً لسؤالي الحائر
ذهبتُ إلى موطني الأصلي
هناك حيثُ اللاحدود
جلستُ على سطح القمر
ومن أمامي النادل ينحني
ويقول:
طبق اليوم "ملوخية" من أجود أنواع المصطلحات رواجاً
والحلو "مهلبية" بالقشطة الدنيماركية من أكثر الأبقار دلالاً
أجبته على عجل: أسرع فأنا في أشد الحاجة للهضم والفهم
وأخرجتُ علبة السجائر من جيبي وتناولت واحدةً
وقبل أن أجد ما أشعلها به
وإذ بقطعةٍ من الذهب الخالص تخرج منها شعلةً أمام ناظري
أشعلتُ منها سيجارتي وتتبعت تلك الأصابع البيضاء بنظري
مروراً بذراع ناصع البياض ملفوفاً إلى وجهٍ كأنه نصف القمر
مزين ومرصع بألوان الطيف كلها
لتضحك قائلةً: أنا الآنسة دكتاتورية ، هل لي أن أجلس معك؟
وبنخوةٍ شرقيةٍ مُبهَرَة أجبتها بتفضلي أيتها الحسناء
فَجَلَسَت ضاحكةً مشعلةً سيجارا من النوع الفاخر وتسألني ومن أين أنت؟
قلت أنا من هناك حيث الشرف والرجولة!
قهقهت ضحكاً لتقول: تذكرت أختي ديموقراطية ، دائماً تحدثني عن الشرف
مع أنها تسرق الفساتين من غيرها ثم تبقعها ببقع سوداء وبعد ذلك تعيدها لهم
ممزقة
قلت لها ولم لا تمنعيها وتنصحيها فأنتِ الأكبر!
ضحكت وقالت: هي حرة ، تفعل ما تريد ، بلغت السن القانوني لذلك
قلت يا آنسة السرقة ليست شرفاً
قالت وهل سكوت غيرها عن حقهم شرف أيها الأعجمي؟
عفواً يا آنسة ، لستُ أعجمياً ولكنني عربي
وكأنها فرحت بذلك! ، اقتربت مني هامسة:
هل تريد أن ترى أختي حرية؟
قلتُ لها شكراً ، لا أريد ، فلدي ما يكفي ويزيد
قالت وما لديكَ أيها العربي؟
أجبتها بكل ثقة:
حريتي يا آنسة هي أن أكون دكتاتورا على نفسي ، ديموقراطياً مع الآخرين
قاطعني النادل قائلاً: سيدي ها هي "الملوخية"
ومعه طبق بداخله الكرة الأرضية
أصابني مغصٌ شديد ، فقلتُ له عفواً ، يبدو أنني أُصبت بوعكة .. سأرحل
قال مهلاً سيدي ، "المهلبية" تنتظرك بالداخل
فتركته قائلاً:
لستُ بحاجة لها ، فعندي في البيت "حورية"
اسمها (حبة البركة) ، هي دوائي
وهنا عدتُ من هناك حيث اللاحدود
ووضعتُ قلمي جانباً

  
|