الصورة الثانية


الصورة الثانية: موسم الحصاد..






وقفت كوردة عطشي في أحد البساتين..
وردة.. على وشك أن تذبل من شدة العطش.. مشتاقة لأن تروى بغيث المطر..
وقفت أستنشد قطرات ترويني.. تبلل عروقي اليابسة..
تملئ روحي الجائعة و تشبع جوع جسدي و سمعي و بصري.. الروحاني..



رأيت أشجاراً.. رفيعة عالية..
كانت قوية شامخة.. تحمل أحلى الثمر.. رأيتها و قد يبست عروقها.. و تساقطت أوراقها و فارق جسدها الروح.. من بعد القوة و الجمال..


تلمست عروقي الخضراء الغضة..
و عمري الربيعي الجميل..
و ملامحي التي لم تغتالها تضاريس العمر العتيقة و لم ترسم تجاعيدها على لوحته الملساء..
رأيت أياماً و ليالاًًًًًًً.. عاشتها الشجرة الرفيعة و لم أعشها أنا بعد!



فإبتسمت و أطمأنت نفسي.. و شعرت بالأمان و الإرتياح..
مازال أمامي الفرح..
مازال عندي الأمل لأرتفع فيه و أكبر و يقوى عودي..
و أعيش أيام و ليالاً جميلة مشرقة..



تلفت حولي رأيت وردات في عمري و براعم أصغر مني رأيتها و قد ذبلت.. و هي تنتظر الغيث.. قبل أن ترتوي بعذب مياهه..
شعرت برعشة أهتز لها جسدي النحيل..
و ارتجف لها قلبي الكمثري الصغير..
إن المسألة ليست أبداً مسألة عمر.. ولا قوة الجسد أو ضعفه..



إنها شمعات تحترق تنهي بإحتراقها العمر و أوراقاً تتساقط.. تفني بفنائها الحياة..
نبتات تحصد من على الأرض لتسكن داخلها..
و ينتهي بعدها كل شيء..



سمعتهم.. يصرخون..
قالوا إن برعماً قد ذبل بالبستان المجاور..
عندها إستجمعت شجاعتي لأبكي..
لأحزن على رحيله عن شمس الحياة قبل أن يأتي المطر..
سقطت دمعاتي غزيرة.. على خدي الشاحبين..
و زادت رعشات قلبي الخائف الوجل..



سألوني تعرفينه؟
قلت لا..
لماذا تبكين عليه إذاً!!!
لم أجبهم.. لأنهم لن يفهمو سبب بكائي و لن يدركوا مدى حزني..
و حجم خوفي..



أنا لم أبكي حزناً عليه..
و لم أصاب بالهم من أجله..
فلا ذكريات تجمعني به ولا موقف يعيدني إلى أياماً عاشها قبل أن يحصده الأجل!
بل إني لا أعرفه و لم أره أصلاً في حياتي..
وقد رحل إلى من هو أرحم به من أهله..



و لكني خفت أن أذبل كما ذبل.. و لا أصمد في وجه الرياح و الجفاف.. كما فعل!
سرت بعيداً عنهم أحمل بين جوانحي نفساً كسيرة خائفة..
متشبثة بأنفاسي كي لا تتوقف أحتضن روحي.. لعلها ترق بحالي و لا ترحل..



وقفت عند باب البستان..
كعاشقة ترتقب حبيبها.. الذي طال غيابه..
خائفة أن تُحصد دون أن تراه دون أن ترتوي بعذب أيامه و لياليه..



رفعت يدي في خضوع إلى سماء ربي الواسعة..
يارب.. دعني أرى حبيبي الذي أنتظره من شهور..
دعني أرتوي من حبه و عطفه.. إسمح لعروقي أن تبتل بحنانه.. و تتغطى برحماته..
بلغني اليوم الذي القاه فيه.. فيأخذني بين أحضانه..
يحتويني بذاعيه الدافئتين يقبلني على جبيني..
يغرقني في بحر عطاءه.. الذي لا ينضب..



يكتب أسمي في لائحة أحباءه.. لأكون من السعداء..
لا تجعل هذا الموسم يكون موسم حصادي..
و أنا جائعة.. عطشى.. مشتاقة.. أرجوك..



بكيت و زاد نحيبي..
و لا أدري هل قُبل دعائي!
هل شفعت لي دموعي.. ليطول عمري شهراً واحداً أرى فيه من أحب؟
هل وصل صوتي عنان السماء.. و بلغت رسالتي لرب الأنام؟
لأهنئ بأيام دائفة و ليالاً حالمة بين أحضانه؟



أتمنى ذلك من كل قلبي..
و عادت دموعي تتهاوى ثانية.. و عاد صوتي يرتفع ليهز المكان حلولي:
اللهم.. أخر موسم حصادي قليلاً.. لأرى حبيبي..
اللهم بلغني اليوم الذي ألقى فيه من إمتلئت روحي شوقاً إليه..
وتوحشت حياتي بدون دفء وجوده..
 

 

rana